عبد الملك الجويني

38

نهاية المطلب في دراية المذهب

التوسع في قول الشاهد ، وإحالة التثبت إلى مَفْصل القضاء ، والإقرارُ لا يخرجه المرء على نفسه إلا وهو على نهاية التثبت فيه . هذا وجه الفرق . 12154 - ونعود فنقول : لو قال الشاهد : أشهد أن لفلان على فلان ألفَ درهم ، وأنا أشهدك على شهادتي هذه ، أو أنت يا سامع ، فاشهد على شهادتي هذه ، فالشاهد يتحمل الشهادة على الشهادة . وإذا وقع التقييد الذي وصفناه ، فهذا يسمى الاسترعاء ، وهذا الذي أطلق الفقهاء أقوالهم بأن الاسترعاء لا بد منه في تحمل الشهادة على الشهادة ، والاسترعاء استفعال من الرعاية ، كأنه يقول للمتحمل : أقبل على رعاية شهادتي وتحمّلْها ، وهذا المعنى يتأدى بألفاظ لا نحصرها ، منها أن يقول : " أشهدك على شهادتي " ومنها أن يقول : " اشهد على شهادتي " ، أو يقول : " إذا استُشْهدت على شهادتي ، فقد أذنت لك في أن تشهد عليها " . ثم أجمع أصحابنا على أن الاسترعاء في عينه ليس شرطاً ، بل إذا جرى لفظ الشهادة من شاهد الأصل على وجهٍ لا يحتمل إلا الشهادة ، فيصير السامع فرعاً له ، وإن لم يصدر من جهته أمر أو إذنٌ في تحمل الشهادة . وبيان ذلك أن من شهد عند القاضي ، وكان بالحضرة سامعٌ لشهادته ، ولم يتفق من القاضي القضاء بشهادته ، فلمن سمعها أن يشهد على شهادته ؛ فإنه أقامها في مكان يُجرَّد فيها ( 1 ) قصدُ الشهادة ، ولا يُفرَضُ فيها تردد ، وهذا هو المطلوب . ولو أشهد شاهدُ الأصل زيداً على شهادته ، وأجرى الاسترعاءَ على حسب ما قدمناه ، وكان عمرو بالحضرة ، فلعمرو أن يتحمل الشهادة ، كما لزيد المسترعى أن يتحملها ؛ فإنه لما استرعى زيداً ، فقد تبين تجريدَه القصدَ في الشهادة ، وهو المطلوب ، فيتحملها عمرو وإن لم يتعلق الاسترعاءُ به ؛ فإن الإشهاد على الشهادة ليس استنابةً من شاهد الأصل ولا توكيلاً ، وإنما الغرض منه الحصول على الشهادة في حقها

--> ( 1 ) كذا في النسختين بضمير المؤنث ، على قصد وتقدير القضية والدعوى ، ونحوها .